محمد بن جرير الطبري

33

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

على الدم فلم يهدأ ؛ فأمر بسبعة آلاف من شيعهم وأزواجهم ، فذبحهم على الدم فلم يبرد ولم يهدأ ؛ فلما رأى نبور زاذان أن الدم لايهدأ قال لهم . ويلكم يا بني إسرائيل ، أصدقوني واصبروا على أمر ربكم ؛ فقد طال ما ملكتم في الأرض ؛ تفعلون فيها ما شئتم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار ، لا أنثى ولا ذكرا إلا قتلته ؛ فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوه الخبر ، فقالوا له : إن هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله ، فلو أطعناه فيها لكان أرشد لنا ، وكان يخبرنا بأمركم ، فلم نصدقه ، فقتلناه ، فهذا دمه فقال لهم نبور زاذان : ما كان اسمه ؟ قالوا : يحيى بن زكريا ، قال : الآن صدقتموني بمثل هذا ينتقم ربكم منكم ؛ فلما رأى نبور زاذان أنهم صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله : غلقوا الأبواب ، أبواب المدينة ، وأخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوس . وخلا في بني إسرائيل ثم قال : يا يحيى بن زكريا ، قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك ، وما قتل منهم من أجلك ، فاهدأ بإذن الله قبل أن لا أبقي من قومك أحدا فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله ، ورفع نبور زاذان عنهم القتل وقال : آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل ، وصدقت وأيقنت أنه لا رب غيره ، ولو كان معه آخر لم يصلح ، ولو كان له شريك لم تستمسك السماوات والأرض ، ولو كان له ولد لم يصلح ، فتبارك وتقدس ، وتسبح وتكبر وتعظم ، ملك الملوك الذي له ملك السماوات السبع والأرض وما فيهن ، وما بينهما ، وهو على كل شيء قدير ، فله الحلم والعلم والعزة والجبروت ، وهو الذي بسط الأرض وألقى فيها رواسي لئلا تزول ، فكذلك ينبغي لربي أن يكون ويكون ملكه . فأوحى الله إلى رأس من رؤوس بقية الأنبياء أن نبور زاذان حبور صدوق ؛ والحبور بالعبرانية : حديث الإيمان . وإن نبور زاذان قال لبني إسرائيل : يا بني إسرائيل ، إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره ، وإني لست أستطيع أن أعصيه . قالوا له : أفعل ما أمرت به . فأمرهم فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والإبل ، فذبحها حتى سال الدم في العسكر ، وأمر بالقتلى الذين كانوا قبل ذلك ، فطرحوا على ما قتل من مواشيهم حتى كانوا فوقهم ، فلم يظن خردوس إلا أن ما كان في الخندق من بني إسرائيل . فلما بلغ الدم عسكره ، أرسل إلى نبور زاذان أن ارفع عنهم ، فقد بلغتني دماؤهم ، وقد انتقمت منهم بما فعلوا . ثم انصرف عنهم إلى أرض بابل ، وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد ، وهي الوقعة الآخرة التي أنزل الله ببني إسرائيل . يقول الله عز ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً وعسى من الله حق ، فكانت الوقعة الأولى : بختنصر وجنوده ، ثم رد الله لكم الكرة عليهم ، وكانت الوقعة الآخرة خردوس وجنوده ، وهي كانت أعظم الوقعتين ، فيها كان خراب بلادهم ، وقتل رجالهم ، وسبي ذراريهم ونسائهم . يقول الله تبارك وتعالى : وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ثم عاد الله عليهم ، فأكثر عددهم ، ونشرهم في بلادهم ، ثم بدلوا وأحدثوا الأحداث ، واستبدلوا بكتابهم غيره ، وركبوا المعاصي ، واستحلوا المحارم وضيعوا الحدود . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن أبي عتاب رجل من تغلب كان نصرانيا عمرا من دهره ، ثم أسلم بعد ، فقرأ القرآن ، وفقه في الدين ، وكان فيما ذكر